دراسة: قانون الإعلام والاتصال في ظل المتغيرات العالمية

قد لا يمكن عزل التطورات السريعة والمتوالية والمذهلة التي عرفتها وتعرفها تكنولوجيا الإعلام والاتصال، عن سرعة التغيرات التي يعرفها النظام العالمي الجديد، ففي رحم زخم هذه التغيرات السريعة يحدث التحول المفاجئ والرهيب لوسائل الإعلام الحديثة، التي بدأت هي نفسها تتحول شيئا فشيئا من سلطة رابعة إلى سلطة خامسة شديدة البأس مهابة الجانب، تحول معها العالم إلى قرية كونية صغيرة.

لكن هذا التطور الرهيب قد أضحى كابوسا يزعج وباستمرار حقوق الإنسان وحرماته تحت مبرر حرية الإعلام والاتصال، وحرية الإعلام والنشر التي هي من صميم حقوق الإنسان وحرياته. في طيات ذلك يطرح كيف سايرت قواعد قانون الإعلام والاتصال هذا التطور الرهيب؟ كيف تعاملت الدول تشريعيا مع هذا التطور الذي عرفته تكنولوجيا الإعلام؟

-I- تأثير تكنولوجيا الإعلام على حقوق الإنسان وعلى قانون الإعلام:  

ألم تنتبه الأمم المتحدة إلى مسألة تأثير تطور هذه التكنولوجيا على حقوق الإنسان منذ سنة 1968. حيث تعرض مؤتمرها الأول لحقوق الإنسان المنعقد في طهران خلال هذه السنة لهذه المسالة مبرزة ضرورة احترام الحرمات الشخصية، أخذا بعين الاعتبار استغلال أجهزة التسجيل الدقيقة الممكن استعمالها للتنصت والتسجيل والتصوير، وهي أجهزة كانت حكرا على الأجهزة السرية في الدولة، فصارت اليوم في متناول أي فرد. ألم تزدد مخاطر هذا التطور مع اختراع الكمبيوتر وقدرته على الاحتفاظ بالأسرار الشخصية قصد استعمالها عند الحاجة بأقصى سرعة وبصورة غير قابلة للتلف؟ بل قد ازدادت الأمور تعقيدا مع ظهور الأنترنيت، واستعمالاته المتعددة في مختلف المجالات.

لم يمر إلا وقت وجيز على مؤتمر الأمم المتحدة لسنة 1968 حيث طرحت فكرة كيف يمارس التطور التكنولوجي اللاحق بوسائل الإعلام التأثير على حقوق الإنسان وعلى الحياة الخصوصية وحرية الإعلام والنشر، حتى انفجرت “فضيحة واتريكت” في سنة 1973 (1) وقد طرحت من جديد وفي نفس البلد وبين نفس الفاعلين السياسيين هذه المرة بصورة أعمق في قضية “الرئيس كلينتون ومونيكا الوينسكي” (2). وقد روجتها وسائل الإعلام بشكل لا نظير له وبخاصة على شبكة المعلومات الدولية “الأنترنيت”. لقد نبهت الأحداث المشار إليها، إلى قدرة هذه الوسائل اللامتناهية في الدقة على انتهاك حريات الإنسان وحقوقه، فكانت كمنبه للفقهاء ورجال القانون والمشرعين على مخاطر الاستغلال المطلق بدون قيد ولا تنظيم لوسائل الإعلام الحديثة، وتأثيرها على حقوق الإنسان وحرياته. هكذا سوف يكون البيان النهائي للمؤتمر الأول لحقوق الإنسان في عام 1968 (3) كمحفز للدول من اجل إصدار قوانين تحد من جبروت تأثير وسائل الإعلام الحديثة على حقوق الإنسان، وتعديل قوانين قائمة لتساير هذا التطور. وانصبت كل هذه القوانين على مواجهة التوسع الشديد والاستغلال السيء لحرية الصحافة.

إن القوانين إياها جاءت لحماية الحياة الخصوصية للأفراد ضد القذف والسب، والتشهير والافتراء والكذب. ففي فرنسا وتأثرا بتطور تكنولوجيا الإعلام والاتصال وبنتائج مؤتمر طهران 1968 سوف يتم إدخال تعديل على القانون الجنائي في سنة 1970، يحرم ويمنع التقاط المراسلات، والأحاديث التليفونية بطرق سرية عن طريق الأجهزة الحديثة التي وفرتها تكنولوجيا الإعلام، على اعتبارات أن هذا يدخل في عمق ما يهدد حق الحرمة الشخصية للإنسان (4).

وهناك إلى جانب فرنسا دول أخرى سارت في هذا الاتجاه وهي: ألمانيا الاتحادية، وسويسرا والبرازيل، هذه الدول وضعت تشريعات بهدف مواجهة التوسع في تسجيل الأحاديث الخاصة، والتقاط الصور عن طريق الأجهزة الحديثة مما أدى إلى تهديد الحريات الخاصة والعامة إلى أقصى درجة.

لقد جاء عقد السبعينات من القرن المنصرم بتطورات أساسية وجذرية ذات ارتباط بتطور تكنولوجيا الإعلام والاتصال في ارتباط مع ظهور الاهتمام العارم بحقوق الإنسان وربط ذلك بحماية واحترام الديمقراطية وحرية الإعلام والاتصال على الصعيد العالمي. فكان مؤتمر الأمن والتعاون الأوربي الأول في هلسنكي سنة 1975 أهم مناسبة رفع فيها هذا الشعار، وعليه سوف نلاحظ بدءا من هذا التاريخ كيف أن حرية الإعلام والاتصال، ستبدأ في أخذ مكانة الصدارة في القانون الدولي لحقوق الإنسان وفي القانون الدولي للإعلام، ولكن بصورة أكثر وضوحا في القوانين الوطنية للإعلام والاتصال (5). وتعاظم الاهتمام بها أكثر بعد دخول العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية حيز التنفيذ في سنة 1976، المتضمن للمادة 19 المفصلة للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ستعتمد اليونسكو على ما ورد من مبادئ في مؤتمر هلسنكي لكي تؤكد وتشدد على بعض مرتكزات القواعد القانونية الخاصة بالقانون الدولي للإعلام، مع محاولة بلورتها وتلميعها أكثر كقواعد قانونية دولية. وهكذا في ظل الشروط الدولية الجديدة المهووسة بأفكار ب